أحمد ياسوف
478
دراسات فنيه في القرآن الكريم
ذلك مما يزيده يقينا في معتقده الأول ، وكذلك معرفة جزئيات العالم من اختلاف الليل والنهار ، وإنزال الرزق من السماء ، وإحياء الأرض بعد موتها ، وتصريف الرياح ، تقتضي رجاحة العقل ورصانته ، ليعلم أن من صنع هذه الجزئيات هو الذي صنع العالم ، التي هي أحسن منه ، وعوارض عنه ، ولا يجوز أن يكون بعضها صنع بعضا بعد قيام البرهان على أن للعالم الكلي صانعا مختارا ، فلذلك اقتضت البلاغة أن تكون فاصلة الآية الثالثة « لقوم يعقلون » ، وإن احتيج للعقل في الجميع ، إلا أن ذكره هاهنا أمسّ بالمعنى من الأول ، إذ بعض من يعتقد صانعا للعالم ربما قال : إن بعض هذه الآثار يصنع بعضا ، فلا بد إذا من التدبر بدقيق الفكر وراجح العقل » « 1 » . ويتضح هذا الاختيار الدقيق من خلال شرح هذا العلّامة الذي استخدم لغة كلامية ترسخ المنحى البلاغي ، كما يتضح الاختيار الدقيق لكلمة الفاصلة في قوله عز وجل : فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ ( 9 ) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ [ الضحى : 9 - 10 ] حيث لا يمكن التبديل بينهما . ويقول ابن أبي الإصبع : « ولا يجوز التبديل بينهما ، إذ لا يجوز النهي عن انتهار اليتيم لمكان تأديبه ، وإنما ينهى على قهره وغلبته ، كما لا يجوز أن ينهر السائل إذا حرم ، وليردّ ردا جميلا » « 2 » . وقد امتاز الزمخشري والخطيب الإسكافي أو الراغب الأصفهاني بصفاء الذهن والترفع عن التعلق بالمصطلحات والتفريعات كما وجدناها عند ابن أبي الإصبع ، لأنه كان يردد الشواهد نفسها تحت عنوان آخر ، ولكنه مع هذا كان مدركا لجمالية تمكن الفاصلة القرآنية معملا العقل والنظر الدقيق في كشف العلاقة بين الفاصلة وسياقها .
--> ( 1 ) تحرير التحبير ، ص / 528 - 529 . ( 2 ) تحرير التحبير ، ص / 529 .